بعد سنين في الشغل الهندسي، أصعب مكالمة بستقبلها مش المكالمة اللي فيها مشكلة فنية، دي بنعرف نحلها بخطوات واضحة. أصعب مكالمة هي لما عميل مغترب يتصل بصوت خايف ومتعب ويقول جملة زي: "أنا مش عارف إيه اللي بيحصل في شقتي، حد يطمني" — الجملة دي بتفضل في دماغي أكتر من أي مشكلة فنية عديتها.
الجملة دي بتلخص حاجة أعمق من مجرد سؤال عن تفاصيل تنفيذ. هي بتلخص إحساس إنسان بعيد عن أهم قرار في حياته، بيحس إنه فقد السيطرة على حاجة استناها سنين وادخر عشانها، وبيدفع فيها فلوس تعبان عليها بالعملة الأجنبية، وملوش وسيلة يتأكد بنفسه إن كل حاجة ماشية صح غير كلام حد تاني.
أول مرة سمعت الجملة دي، فهمت إن المشكلة الحقيقية اللي لازم نحلها مش بس هندسية، هي مشكلة ثقة وشفافية في الأساس. عميل عنده مقايسة واضحة ومتابعة أسبوعية منتظمة، نادراً ما بيقول الجملة دي، لأنه أصلاً عارف كل حاجة بتحصل بيته إيه أول بأول، والمعرفة دي نفسها بتقلل القلق حتى لو المشروع فيه تحديات طبيعية بسيطة.
من ساعتها، بقى عندنا في طراز قاعدة داخلية بنتمسك بيها: أي عميل مغترب، مهما كان حجم مشروعه صغير أو كبير، لازم يحس إنه "شايف" مشروعه، مش بس "سامع عنه" من على بعد. يعني التقرير الأسبوعي مش رفاهية تسويقية بنعملها عشان تبان كويسة، هو استجابة مباشرة ومباشرة جداً لأصعب مكالمة ممكن نستقبلها من عميل قلقان.
في الحقيقة، مش كل المكالمات الصعبة بتنتهي بشكوى فعلية، أغلبها بيكون مجرد سؤال بسيط اتضخم في دماغ العميل بسبب الصمت اللي سبقه. أسبوع من غير أي تحديث كافي إنه يحوّل قلق طبيعي لخوف حقيقي، وده اللي علّمنا إن الصمت نفسه، مش المشاكل الفعلية، هو أكتر حاجة بتكسر ثقة العميل البعيد في أي شركة يتعامل معاها.
حتى في الأسابيع اللي مفيش فيها تقدم كبير ملموس (بسبب انتظار توريد خامة معينة مثلاً)، بقينا بنبعت تحديث بيوضح ده بالظبط: "الأسبوع ده مفيش تقدم كبير لأننا مستنيين توريد كذا، ومتوقع يوصل يوم كذا"، بدل السكوت الكامل. عرفنا إن رسالة توضح سبب التوقف بتطمن أكتر بكتير من غياب أي رسالة خالص.
لسه بستقبل مكالمات صعبة أحياناً، خصوصاً من عملاء جداد لسه بيبنوا الثقة معانا وطبيعي يكون عندهم شك بعد تجارب سابقة سيئة سمعوا عنها أو مروا بيها بأنفسهم، وده طبيعي جداً ومتوقع. لكن الفرق إن المكالمة دلوقتي بتنتهي بشكل مختلف تماماً: مش بوعد عام غامض، لكن بموعد محدد وواضح لفيديو أو تقرير هيوصله في خلال يوم أو اتنين، يشوف فيه بعينه اللي بيسأل عنه بالظبط.
الجزء اللي اتعلمناه من كل المكالمات دي إن الحل مش بس تقني، الحل إنساني كمان: الرد السريع، اللغة الواضحة من غير تعقيد هندسي زيادة، والصدق حتى في الحاجات اللي مش تمام 100% بدل التجميل الزايد، كل ده بيبني ثقة أسرع بكتير من أي إعلان أو عرض تسويقي.
علّمتني المكالمات دي كمان إن رد الفعل الأول المفروض يكون هدوء وتفهم، مش دفاع فوري عن الشركة. لما عميل يتصل قلقان، آخر حاجة محتاجها إنه يسمع تبريرات، هو محتاج يسمع خطة واضحة: هنبعتلك إيه، وإمتى بالظبط، وهيوضحلك إيه. الالتزام بالموعد ده بعد المكالمة أهم من أي كلام بنقوله في المكالمة نفسها، لأن الثقة بترجع بالفعل مش بالوعد.
بصراحة، الجزء الأصعب من شغلي مش تنفيذ التشطيب في حد ذاته، هو إني أفهم إن ورا كل مشروع إنسان بعيد عن بيته، وشغلي إني أخليه يحس إنه قريب منه قد ما ينفع، حتى لو آلاف الكيلومترات فاصلة بينهم فعلياً. ده الجزء اللي محدش بيتكلم عنه كتير في مجال المقاولات، بس هو أهم جزء من وجهة نظري.