القصة دي مش قصة عميل واحد بالتحديد، دي خلاصة تجربة متكررة سمعناها بأشكال مختلفة من عملاء مغتربين كتير على مدار سنين، وهنحكيها بصيغة قصة واحدة (سمّينا بطلها كريم، مهندس مصري مقيم في جدة) عشان تبان الصورة كاملة وواضحة من الأول للآخر.
كريم اشترى شقة في التجمع الخامس بعد سنين من الادخار والحرمان من حاجات كتير عشان يجمع تمنها، وقرر يشطبها استعداداً لعودته بعد كام سنة أو كخطوة أولى قبل ما يأجرها. تعاقد مع مقاول عن طريق معرفة شخصية، اتفقوا شفهياً على السعر الإجمالي وبعض التفاصيل العامة، ودفع نص المبلغ مقدماً "عشان يبدأ الشغل بسرعة" زي ما المقاول اقترح.
الشهر الأول عدى وكريم مكنش بياخد غير رسايل قصيرة: "الشغل ماشي" أو "إحنا في مرحلة التأسيسات". في الشهر التاني بدأ يسأل عن صور، فوصلته صور مش واضح منها حاجة كتير — زوايا بعيدة، إضاءة ضعيفة، ومفيش أي شرح مكتوب لإيه اللي بيتصوَّر بالظبط. في الشهر التالت، المقاول بدأ يطلب دفعة تانية "عشان يكمل الخامات"، وكريم دفع لأنه خايف الشغل يقف بالكامل ويضيع اللي اتصرف لحد دلوقتي.
المفاجأة كانت لما كريم رجع مصر بعد أربع شهور عشان يشوف شقته بعينه أخيراً. لقى تنفيذ مختلف تماماً عن اللي اتفقوا عليه: خامات أرخص من المتفق عليها في السيراميك والأدوات الصحية، بند كامل (العزل المائي في الحمامات) اتعمل بشكل مش سليم ولا مطابق للكود، وفاتورة إجمالية أعلى من المتفق عليه الأول بسبب "زيادات" محدش شرحها له كتابةً ولا وضحها قبل ما تحصل.
المشكلة الحقيقية مكنتش في المقاول بس، كانت في غياب ثلاث حاجات أساسية من الأول: عقد تفصيلي مكتوب فيه كل بند وسعره ومواصفاته، توثيق دوري بالصور أو الفيديو لكل مرحلة قبل ما تتغطى، ومقايسة واضحة بترتبط بيها الدفعات بند ببند مش دفعة إجمالية مقابل "مرحلة" غامضة.
كريم اضطر يدفع فلوس إضافية عشان يصلح جزء كبير من الشغل (خصوصاً العزل المائي اللي كان لازم يتعمل من الأول تاني)، ووقته اتضاع في نزلة مصر الطارئة والمتابعة اليومية اللي مكانش متخطط لها، وثقته في فكرة التشطيب عن بعد اتزعزعت بالكامل لدرجة إنه فكر يسيب المشروع فترة قبل ما يكمله مع شركة تانية.
اللي يستاهل الذكر هنا إن كريم مكانش شخص ساذج أو مقصر، هو مهندس بيشتغل في مجال تقني ومتعود يتعامل مع تفاصيل دقيقة في شغله اليومي. المشكلة مكنتش في وعيه أو خبرته العامة، كانت في افتراض بسيط غلط: إنه ممكن يعتمد على المعرفة الشخصية والثقة الشفهية بدل نظام مكتوب وموثق، وده افتراض بيقع فيه ناس كتير أذكى من أي حد، لأن الثقة الشخصية بتبان كافية في البداية لحد ما الظروف تتغير.
لحظة الصدمة نفسها، وهو واقف قدام باب شقته وشايف الفرق بعينه، وصفها كريم بعد كده إنها كانت أصعب من أي مكالمة تليفون متوترة استقبلها طول الأربع شهور. مش بس بسبب الفلوس، لكن بسبب الإحساس إنه اتخدع وهو حاول يثق ويعطي فرصة، وده إحساس صعب يتصالح معاه أي حد بسرعة حتى لو اتحلت المشكلة ماديًا بعد كده.
بعد الموقف ده، كريم قعد يسأل أصحابه اللي مروا بتجارب مشابهة، ولقى إن القصة دي متكررة أكتر بكتير مما كان متخيل. كل واحد فيهم كان عنده "سبب" مختلف ليه اتفاجئ، لكن القاسم المشترك بينهم كلهم كان واحد: محدش منهم كان عنده مقايسة تفصيلية مكتوبة وموقعة قبل ما يبدأ يدفع فلوس فعلية. الدرس اتكرر بأشكال مختلفة، لكنه كان بيوصل لنفس النقطة في كل مرة.
القصة دي بتتكرر بأشكال مختلفة لأن المشكلة مش في نية الناس غالباً، المشكلة في غياب نظام واضح يحمي الطرفين من سوء الفهم أو من أي تقصير غير مقصود. ولما بنحكيها في طراز، مش عشان نخوف حد أو نشوه سمعة أي حد، عشان نوضح بالظبط ليه بنصر على العقد التفصيلي، والتوثيق الأسبوعي، والمقايسة المرتبطة بالدفعات — مش كإجراءات شكلية أو بيروقراطية زيادة، لكن كحل مباشر لمشكلة حقيقية بتحصل لناس زي كريم كل يوم في مكان ما.